أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
580
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والخامس : أن ينتصب على الظرف مجازا أي : في سرّ . وعلى الأقوال الأربعة فلا بدّ من حذف مفعول تقديره : لا تواعدوهنّ نكاحا . والسّرّ : ضدّ الجهر ، وقيل : يطلق على الوطء وعلى الزّنا بخصوصية ، وأنشدوا للحطيئة : 1004 - ويحرم سرّ جارتهم عليهم * ويأكل جارهم أنف القصاع « 1 » وقول الآخر - هو الأعشى - : 1005 - ولا تقربنّ جارة إنّ سرّها * حرام عليك فانكحن أو تأبّدا « 2 » قوله : إِلَّا أَنْ تَقُولُوا في هذا الاستثناء قولان : أحدهما : أنه استثناء منقطع لأنه لا يندرج تحت « سرّ » على أيّ تفسير فسّرته به ، كأنه قال : لكن قولوا قولا معروفا . والثاني : أنه متصل وفيه تأويلان ذكرهما الزمخشري فإنه قال : « فإن قلت بم يتعلّق حرف الاستثناء ؟ قلت : ب « لا تواعدوهنّ » ، أي : لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة ، أو لا تواعدوهنّ إلا بأن تقولوا ، أي : لا تواعدوهنّ إلّا بالتعريض ، ولا يكون استثناء منقطعا من « سرا » لأدائه إلى قولك : لا تواعدوهنّ إلا التعريض » انتهى . فجعله استثناء متصلا مفرغا على أحد تأويلين : الأول : أنه مستثنى من المصدر ، ولذلك قدّره : لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلّا مواعدة معروفة . والثاني : أنه من مجرور محذوف ، ولذلك قدّره ب « إلّا بأن تقولوا » ، لأنّ التقدير عنده : لا تواعدوهنّ بشيء إلا بأن تقولوا ، ثم أوضح قوله بأن تقولوا بالتعريض ، فلمّا حذفت الباء من « أن » وهي باء السببية بقي في « أن » الخلاف المشهور بعد حذف حرف الجرّ ، هل هي في محلّ نصب أم جر ؟ وقوله : « لأدائه إلى قولك إلى آخره » يعني أنه لا يصحّ تسلّط العامل عليه فإنّ القول المعروف عنده المراد به التعريض ، وأنت لو قلت : « لا تواعدوهنّ إلّا التعريض » لم يصحّ لأنّ التعريض ليس مواعدا . وردّ عليه الشيخ « 3 » بأنّ الاستثناء المنقطع ليس من شرطه صحّة تسلّط العامل عليه بل هو على قسمين : قسم يصحّ فيه ذلك ، وفيه لغتان : لغة الحجاز وجوب النصب مطلقا نحو : « ما جاء أحد إلا حمارا » ، ولغة تميم إجراؤه مجرى المتصل فيجرون فيه النصب والبدلية بشرطه ، وقسم لا يصحّ فيه ذلك نحو : « ما زاد إلا ما نقص » ، و « ما نفع إلا ما ضرّ » . وحكم هذا النصب عند العرب قاطبة ، فالقسمان يشتركان في التقدير بلكن عند البصريين ، إلّا أنّ أحدهما يصحّ تسلّط العامل عليه في قولك : « ما جاء أحد إلا حمار » لو قلت : « ما جاء إلا حمار » صحّ ، بخلاف القسم الثاني ، فإنّه لا يتوجّه عليه العامل » ولتحقيق هذا موضع هو أليق به ، وقد تقدّم منه طرف صالح . قوله : عُقْدَةَ في نصبه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مفعول به على أنه ضمّن « عزم » معنى ما يتعدّى بنفسه وهو : تنووا أو تباشروا ونحو ذلك .
--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 62 ) ، القرطبي ( 3 / 191 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 229 ) .